حكم التوكل على الله. حكم التداوي وهل فعل الأسباب ينافي التوكل؟

فقوله مرجوح ، والحق أحق بالاتباع ، والأدلة الشرعية مقدمة على كل أحد من أسماء الرسول :المتوكل و من أسماء رسول الله صلى الله عليه و سلم " المتوكل " كما في الحديث: " و سميتك المتوكل "
قال : فإن الله سينجيك بشفقتك على المسلمين ، وسل ، فمن ذا الذي سأل الله فلم يعطه ، ودعاه فلم يجبه ، وتوكل عليه فلم يكفه أو وثق به فلم ينجه ثم قال : والله يا أبا قدامة « لو عامل عبد الله بحسن التوكل ، وصدق النية له بطاعته ؛ لاحتاجت إليه الأمراء فمن دونهم فكيف يكون هذا محتاجا ، وموئله وملجؤه إلى الغني الحميد ؟ » قال محمد بن صالح التميمي :كان بعض العلماء إذا تلا ومن يتوكل على الله فهو حسبه قال : « اللهم إني سمعتك في كتابك تندب عبادك إلى كفايتك ، وتشترط عليهم التوكل عليك اللهم وأجد سبيل تلك الندبة سبيلا قد انمحت دلالتها ، ودرست ذكراها ، وتلاوة الحجة بها وأجد بيني وبينك مشبهات تقطعني عنك ، وعوقات تقعدني عن إجابتك ، اللهم وقد علمت أن عبدا لا يرحل إليك إلا نالك ، فإنك لا تحتجب عن خلقك ، إلا أن تحجبهم الآمال دونك ، وعلمت أن أفضل زاد الراحل إليك صبر على ما يؤدي إليك ، اللهم وقد ناجاك بعزم الإرادة قلبي ، وأفهمتني حجتك بما تبين لي من آياتك اللهم فلا أتخيرن دونك وأنا أؤملك ، ولا أختلجن عنك وأنا أتحراك اللهم فأيدني منك بما تستخرج به فاقة الدنيا من قلبي ، وتنعشني من مصارع أهوائها ، وتسقيني بكأس للسلوة عنها ، حتى تستخلصني لأشرف عبادتك ، وتورثني ميراث أوليائك الذين ضربت لهم المنار على قصدك ، وحثثتهم حتى وصلوا إليك ، آمين رب العالمين »

مثل ما علم في عصرنا أن مريض الزائدة إذا تركها حتى انفجرت ، كانت سببا في هلاكه ، وإذا أزالها ، كان هذا التداوي سببا في نجاته ، فهنا يجب عليه التداوي.

كيف نحقق التوكل على الله
٢ - الحالة الثانية: أن يكون شركاً أصغر: إن اعتمد على مخلوق في أمر أقدره الله عز وجل عليه من جلب رزق أو دفع أذي أو قضاء حاجة من مصالح الدنيا، مع اعتقاده أن الأمر كله لله عز وجل، ولكن صرف جزءاً من توكله إلى هذا المخلوق، فهو شرك أصغر
ص382
و إنما قيل له ذلك لقناعته باليسير و الصبر على ما كان يكره ، وصدق اعتماد قلبه على الله عز و جل في استجلاب المصالح و دفع المضار من أمور الدنياو الأخرة و كلة الأمور كلها إليه، و تحقيق الإيمان بأنه لا يعطي ولا يمنع ولا يضرولا ينفع سواه ، و لكم في نبيكم أسوة حسنة و قدوة طيبة ، فلابد من الثقة بما عندالله و اليأس عما في أيدي الناس ، و أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدنفسك ، و إلا فمن الذي سأل الله عز وجل فلم يعطه ، و دعاه فلم يجبه و توكل عليه فلم يكفه ، أووثق به فلم ينجه؟ إن العبد لا يؤتى إلا من قبل نفسه ، و بسبب سوء ظنه ، وفي الحديث : " أنا عند ظن عبدي بي ، فليظن بي ما شاء "والجزاء من جنس العمل ، فأحسنوا الظن بربكم و توكلوا عليه تفلحوا ، فإن الله يحب المتوكلين
التوكل على الله
وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ثُمَّ قَالَ: « يَا أَبَا ذَرٍّ، لَوْ أَنَّ النَّاسَ أَخَذُوا بِهَا لَكَفَتْهُمْ» رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالنَّسَائِيُّ فِي السُّنَنِ الكُبْرَى، وَابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ، وَرَوَاهُ الحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ وَصَحَّحَهُ ، وَقَالَ الإِمَامُ شِهَابُ الدِّيْنِ البُوْصِيْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي مِصْبَاحِ الزُّجَاجَةِ فِي زَوَائِدِ ابْنِ مَاجَهْ: هَذَا إِسْنَادٌ رجَالُهُ ثِقَاتٌ، إِلَّا أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ ؛ أَبُوْ السَّلِيْلِ لَمْ يُدْرِكْ أَبَا ذَرٍّ، قَالَهُ فِي التَّهْذِيْبِ
الثاني: تعاطي الأسباب، فليس من التوكل تعطيل الأسباب بل التوكل يجمع بين الأخذ بالأسباب والاعتماد على الله، ومن عطلها فقد خالف الشرع والعقل؛ لأن الله عز وجل أمر بالأسباب وحث عليها سبحانه وأمر رسوله بذلك وفطر العباد على الأخذ بها، فلا يجوز للمؤمن أن يعطل الأسباب بل لا يكون متوكلا حقيقة إلا بتعاطي الأسباب، ولهذا شرع النكاح للعفة وحصول الولد وأمر بالجماع، فلو قال أحد من الناس أنا لا أتزوج وأنتظر الولد بدون زواج لعد من المجانين، وليس هذا من أمر العقلاء، وكذلك لو جلس في البيت أو في المسجد يتحرى الصدقات لم يكن ذلك مشروعا ولا توكلا بل يجب عليه أن يسعى في طلب الرزق ويعمل ويجتهد مع القدرة على ذلك فلما سمع ذلك منه كأنه أعجبه
قال سعيد بن جبير: إنَّ التوكل جِماع الإيمان ، وقال وهب بن منبه: غايةُ المؤمن القصوى التوكل ، وقال الحسن: معنى توكل العبد على الله أن يعلم العبد أنَّ الله هو ثقتهُ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: "كَانَ أَهْلُ اليَمَنِ يَحُجُّوْنَ وَلَا يَتَزَوَّدُوْنَ، وَيَقُوْلُوْنَ: نَحْنُ المُتَوَكِّلُوْنَ

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى : " فإن الناس قد تنازعوا في التداوي هل هو مباح أو مستحب أو واجب ؟.

9
حكم وأمثال عن التوكل.. 12 حكمة ومثل منتشرين عن التوكل بالله تعرف عليهم
قَالَهَا إِبْرَاهِيْمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِيْنَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِيْنَ قَالُوا: { إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيْمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكِيْلُ}"
ص382
فهذا لا يجوز ، ولا يقوله عاقل ، هكذا يلبس الثياب الثقيلة في الشتاء للدفء لأنه يضره البرد ، وهكذا الأسباب الأخرى من إغلاق الباب خوفاً من السراق ، كذلك حمل السلاح عند الحاجة ، كل هذه أسباب مأمور بها لا تنافي التوكل ، والنبي صلى الله عليه وسلم وهو سيد المتوكلين في أُحُد حمل السلاح ولبس اللأمة ، وفي بدر كذلك ، وفي أُحُد ظاهر بين درعين أي لبس الدرعين ، ودخل مكة صلى الله عليه وسلم وعليه المغفر ، كل هذه أسباب فعلها الرسول صلى الله عليه وسلم وهو سيد المتوكلين عليه الصلاة والسلام" انتهى
في حكم التوكُّل على غير الله
فالله لا ينسى عباده، ولا يرضى لعباده إلا الخير وإن قصرت بصائرهم عن إدراك حكمته، فلا يزال البلاء بالمؤمن حتى يلقى الله وليس عليه ، وإن العبد إذا سبقت له من الله منزلة لم يبلغها بعمله، ابتلاه حتى يُبَلِّغه تلك المنزلة، وهذا منتهى الخير للعبد
و في الحديث :" لو أنكم توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً و تروح بطاناً "رواه أحمد والترمذي و قال: حسن صحيح قال تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآَيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ
فمثلا : الأكل والشرب جعلهما الله سببا لحفظ النفس من الهلاك الذي يسببه الجوع والعطش ، فالأخذ بهذا السبب واجب ، حتى المضطر إلى أكل الميتة يجب عليه الأكل منها ، فإن امتنع حتى مات جوعا ، فإنه يموت عاصيا فقال أحدهما للآخر : أو تلقى الأموات الأحياء ؟ قال : نعم أرواحهم تذهب في الجنة حيث شاءت

فَوَجَدتُ رَبِّي بِالفُؤادِ بَصِيرًا.

13
حكم وأمثال عن التوكل.. 12 حكمة ومثل منتشرين عن التوكل بالله تعرف عليهم
والمؤمن يحقق التوحيد ، فيعلم أن الأمر كله لله ، ويمتثل الشرع ، فيأخذ بالأسباب حيث أمر الشرع بذلك
كيفية التوكل على الله
ومن قال : إنه مستوي الطرفين أو إن تركه أفضل
حكم الالتفات إلى الأسباب
فسَّر الرازي قوله تعالى: وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَْمْرِ فَإِذَا عَزَمْت فَتَوَكَّل عَلَى اللَّهِ ، بأنَّ التوكل ليس أن يهمل الإنسان نفسه كما يقول بعض الجاهلين، وإن كان كذلك؛ لكان الأمر بالمشاورة منافياً للأمر بالتوكل، بل التوكل على الله يعني، أن يراعي الإنسان الأسباب الظّاهرة، ويعوَّل على الله تعالى عليها لا أن يعوّل بقلبه، وذهب جمهور علماء المسلمين إلى أنَّ التَّوكل الصّحيح يكون مع الأخذ بالأسباب، فدعوى التوكل بدونه تكون جهلاً بالشَّرع وفساداً بالعقل